ابن أبي الحديد

329

شرح نهج البلاغة

فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ، ونسيانهم موردهم ومصدرهم ، وغفلتهم عن عاقبة أمرهم ، وما أقبح حال من يزعم أنه بصير عاقل وتغره حجارة الأرض ، وهي الذهب والفضة ، وهشيم النبت وهو زينة الدنيا ، وهو يعلم يقينا أن شيئا من ذلك لا يصحبه عند الموت ، بل يصير كله وبالا عليه ، وهو في الحال الحاضرة شاغل له بالخوف عليه ، والحزن والهم لحفظه ، وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله . وقد ضرب أيضا لها مثال آخر في عبور الانسان عليها ، قالوا الأحوال ثلاثة : حال لم يكن الانسان فيها شيئا ، وهي ما قبل وجوده إلى الأزل ، وحال لا يكون فيها موجودا مشاهدا للدنيا ، وهي بعد موته إلى الأبد ، وحالة متوسطة بين الأزل والأبد ، وهي أيام حياته في الدنيا ، فلينظر العاقل إلى الطرفين الطويلين ، ولينظر إلى الحالة المتوسطة ، هل يجد لها نسبه إليها ( 1 ) ، وإذا رأى العاقل الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ، ولم يبال كيف تقضت أيامه فيها ، في ضر وضيق ، أو في سعة ورفاهة ، بل لا يبنى لبنة على لبنة ، توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وما وضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة . ورأى بعض الصحابة بنى بيتا من جص فقال : أرى الامر أعجل من هذا ، وأنكر ذلك ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله : ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثلها كراكب سار في يوم صائف ، فرفعت له شجرة فقام تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها ، وإلى هذا أشار عيسى بن مريم حيث قال : الدنيا قنطرة ، فاعبروها ولا تعمروها ، وهو مثل صحيح ، فإن الحياة الدنيا قنطرة إلى الآخرة ، والمهد هو أحد جانبي القنطرة ، واللحد الجانب الآخر ، وبينهما مسافة محدودة ، فمن الناس من قطع نصف القنطرة ، ومنهم من قطع ثلثيها ، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها ، وكيفما كان فلا بد من العبور والانتهاء ، ولا ريب أن عمارة هذه القنطرة ، وتزيينها بأصناف الزينة لمن

--> ( 1 ) كذا في ا ، وفى ب ، د : ( إليهما ) .